سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

193

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

المسافر من بغداد في عصر الرشيد كان يمشي في ظل الأشجار حتى يبلغ غوطة دمشق ومصب نهر « قويق » في حلب . ثم إذا اتجه من هناك للشمال ورأى سيحون وجيحون يجريان في سهول أطنه وفي الجنوب عند دمياط ورشيد والإسكندرية يصب النيل المبارك وأن كل تلك الممالك والأمصار والأنهار هي ملك خاص للمسلمين لاينازعهم فيه منازع إلا أولو القوة من أهل المطامع ونزاعهم بالختل والخداع وبالحيلة والمكر ليس إلا . فلو أنصف الأتراك أنفسهم وأخذوا بالحزم - واستعربوا - وترأسوا ذلك الملك وعدلوا في أهله وجروا على سنن الرشيد أو المأمون على الأقل ولا نقول على سنن وسيرة الخلفاء الراشدين ! فمن كان من دول الأرض أغنى منهم مملكة ؟ أو أعز جانبا ؟ وأمنع حوزة ، مَن ؟ ولكن مع الأسف إن إخواننا الأتراك لم يحسنوا من أعمال الدنيا غير « الحرب » وهم فيما عدا ذلك وفيما يختص في شؤون العمران أقل روية وعملا من سواهم - يسوءني وأنا ممن يحبهم - وأتاثر كلما افتكرت بما ارتكبوه من الخطأ في عدم قبولهم اللسان العربي وأن يستعربوا ! وأزداد تأثرا إذا أراهم يرتكبون خطأ أفضح وهو جريهم وراء تتريك العرب واستبدال اللسان العربي لسان الدين الطاهر والأدب الباهر وديوان الفضائل والمخافر باللسان التركي » ! ! وذلك اللسان الذي لو تجرد من الكلمات العربية والفارسية لكان أفقر لسان على وجه الأرض ولعجز عن القيام بحاجيات أمة بدوية ولولا أنه خليط من ثلاثة ألسنة لما رأينا للأتراك شعرا يقرأ أو منثورا يفهم أو بيانا يترجم عن جنان ! وهو في حالته هذه - إذا وزن مع لسان من الألسنة الحية - تجده قد خف وزنا وانحط معنى . « فكيف يعقل تتريك العرب وقد تبارت الأعاجم في الاستعراب وتسابقت وكان اللسان العربي لغير المسلمين - ولم يزل - من أعز الجامعات وأكبر المفاخر فالأمة العربية هي « عرب » قبل كل دين ومذهب . وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان ما لا يحتاج معه إلى دليل أو برهان .